ساسي سالم الحاج
15
نقد الخطاب الاستشراقي
عدالة اللّه يوم القيامة . فهو يعظم هذه العدالة التي ستؤدي إلى جزاء كلّ إنسان طبقا لما قدمت يداه . ويرى في التاريخ مسيرة الجنس البشري الذي يحتاج في فترات عديدة إلى أنبياء يقودونه إلى الخضوع للّه . ومن هنا كان اعتقاده أنه خاتم الأنبياء أرسل إلى العرب لهدايتهم إلى الطريق المستقيم . فالتاريخ بالنسبة إلى الرسول عبارة عن سلسلة متلاحقة من ذلك التعارض الذي يظهر جليّا في التصرفات الحمقاء للمجتمع المكي التي تناقض عدالة اللّه وحكمته كما هي معروفة لدى أهل الكتب المقدسة . وقد استمر الرسول في هذه الدعوة مدة اثنتي عشرة سنة مواجها بصلابة وإيمان معارضة قومه وتهديدهم له حتى هجرته إلى يثرب رفقة حفنة من أصحابه ، هذه الهجرة التي لها الأثر الحاسم في الدعوة الإسلامية « 1 » . ويفصل هرجرونيه بين حالة الرسول قبل الهجرة وحالته بعدها . ويرى أنه في الحالة الثانية لم يعد رئيسا دينيّا فحسب ولكنه أصبح مرشدا في جميع الأمور السياسية والقانونية والعسكرية للمجتمع المدني . وأصبحت لقراراته القوة القانونية الملزمة ، هذه القرارات التي تفصح عنها الآيات القرآنية التي يتعرض بعض منها أحيانا للنسخ طبقا للظروف والقضايا المطروحة أمامه . وكان يتردد في اتخاذ القرارات المعقّدة طالما لم يسيطر كلية على الموضوع المطروح أمامه ، ومن هنا كانت الحملات العسكرية التي ينظمها تخضع للظروف المحيطة بها ، ولم يضع الرسول في حسبانه خططا منظمة لغزو العالم وإن كان هذا الهدف لم يكن بعيدا عن خط سيره الأساسي « 2 » . وعلى الصعيد الديني فإن هرجرونيه يعتقد أن الرسول بعد هجرته إلى المدينة اصطدم بالجالية اليهودية الموجودة هناك ، لأنها لم تعترف برسالته كما لم تعترف بصفته كخاتم للأنبياء والمرسلين . وهذا الاتجاه قاده إلى تغيير مفهومه حول طبيعة ديانته من جهة ، كما قاده إلى اتخاذ موقف متميز ضد الديانتين اليهودية والمسيحية من جهة أخرى . وقد قاده هذا الموقف إلى خلق أسطورة « إبراهيم » ليميّز الدين الإسلامي عن الديانتين السابقتين له . فعند ما كان الرسول بمكة لم ير في إبراهيم إلّا أحد الأنبياء المرسلين . أما في المدينة فإنه لم ينظر إليه باعتباره جدّ العرب فحسب ولكنه كان يراه
--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . 658 . ( 2 ) WAARDENBURG , L'islam , op . cit , p . 36 .